مقالات عامة متنوّعة

نظرية الحب في علم الأعصاب – (2) كيف يتأثر المُخ بالحب

ارتبط الحب في ثقافة البشرية بالقلب، حيث تجلّى هذا الإرتباط الشرطي في جميع أوجه النشاط الأنساني، محدداً بشكل ضمني كون القلب موضع الحب والعضو المتحكم في آليته والمتأثر بأنشطته والمتفاعل في حالة الحب.

الحب خاضع للقلب أم للعقل

ويُعتبر هذا الأرتباط رؤية إنسانية خالصة منذ قديم الأزل حيث أن علميًا القلب ماهو إلا عضو يعمل كمضخة لتنظيم الدورة الدموية للجسم بالكامل وألية الحب معظمها غير مرتبطة به أو بنشاطه، بالعكس فالدماغ هو مَن يتحكم فيها ويتأثر بها ويرسم حالياً العلم صورة أكثر واقعية ومادية لمفهوم الحب والأنجذاب إعتمادًا علي كيمياء الدماغ وحدها لاغير.

لنستهل كلامنا بصورة توضيحية تُظهر أماكن داخل الدماغ تلعب دورًا اساسيًا في تفعيل شعور الحب بشكل كيميائي عصابي بحت كدليل واضح أن تصرفاتنا وقت الحب لها أساس تشريحي في ادمغتنا بشكل مادي.

بمراجعة الصورة السابقة نجد أن هناك ثلاث مناطق رئيسية يمكن أن ترسم خريطة الحب داخل الدماغ وهي:

المنطقة الجوفية السقيفية VTA) Ventral Tegmental Area):

تُعتبر تلك المنطقة هي أحد المكونات الرئيسية لنظام “المكافأة” في الدماغ حيث عند نشاطها تؤدي الى ظهور احساس اللذة والأستمتاع عند حدوث أنشطة معينة بهدف تعزيز تلك الأنشطة لكونها مفيدة للانسان وزيادة الرغبة في تكرارها حيث تقوم بإفراز الدوبامين (المسئول عن التعلق والأعتماد والتعود) بعد نشاطها عند الوقوع في الحب وهنا يتحول الحب لشعور محبب وأحياناً “إدمان” حيث أن تلك الآلية تنشط ايضًا في حالة إدمان المخدرات.

تفعيل نظام المكافأة في الحب يجعل رغبة الأطراف في التواصل الجنسي أقرب وبالتالي فرص التناسل أعلي مما يحافظ علي البقاء طبقًا لعلم النفس التطوري.

النواة المتكئة Nucleus Accumbens:

تنشط تلك المنطقة بشكل خاص عن التعرض لحالة الأنفصال العاطفي الحاد حيث تُثار لتعطي شعور (الأستثارة السلبية) والإنفعال غير المُبرر و العصبية وتكون شبيهة جداً بالاعراض التي تُصاحب المدمن في بدايات فترة الانسحاب أثناء محاولة الاستشفاء من إدمان المخدرات.

الشاحبة البطنية ونوى رافي (ventral pallidum – Raphe Nucleus): 

تنشط تلك المنطقة في حالة وجود علاقة عاطفية مستقرة وممتدة وجيدة حيث يشعر الأنسان وقتها بالسعادة والهدوء وانخفاض التوتر وزيادة في معدل هرمون السعادة في المخ (السيروتونين).

وبمراجعة الحلقة السابقة من هنا نجد أن هناك أدلة راجحة بكون شعور الحب بكل تفاصيله الجسدية والنفسية هو شعور دماغي بحت يتحكم فيه بعض العضيات في المخ وبعض الهرمونات المؤثرة مثل (الدوبامين، السيروتونين، التوستوسيترون، الأدرينالين و الفاسوبريسين).

ما هو الحب وكيف يؤثر على الدماغ؟

وقد قامت الكثير من التجارب لمعرفة ماهية الحب بشكل مادي وتأثيراته داخل الدماغ ومن خلال التطور في علوم الدماغ والأعصاب ظهرت أدوات جعلتنا نستطيع قياس ومعرفة مواطن المشاعر عند حدوثها بشكل لحظي أهمها هو (الرنين المغناطيسي الوظيفي للدماغ  FMRI)

واعتمدت دراسة علي تلك التقنية لتوضيح تأثير الوقوع في الحب و تطوراته علي أدمغتنا بشكل وظيفي وقياس أداء المخ بشكل لحظي مادي وقت التفاعل العاطفي غير الملموس.

حيث قام مجموعة من العلماء في جامعة (جنوب غرب الصين) بإجراء مسح للدماغ بواسطة التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي على حوالي 100 شخص (ذكور و إناث) وتم تقسيمهم لثلاث مجموعات رئيسية وهم:

  • (A) مجموعة يعيشون تجربة الحب ( Love group “LG”)
  • (B) مجموعة أنفصلوا مؤخراً تجربة الحب ( Ended love group “ELG”)
  • (C) مجموعة لم ترتبط بأي شكل عاطفي من قبل (Single gorup “SG”)

وتم قياس نشاط أدمغتهم بالرنين المغناطسيي الوظيفي في حالة عدم قيامهم بالتفكير في شئ محدد أو عدم إنشغال تفكيرهم بشكل عام وقت القيام بالتجربة وكانت النتائج كالأتي:

وُجد أن المجموعة ذوات تجارب الحب (LG) تنشط داخل أدمغاتهم الشبكة المنظمة والمرتبطة بالتحفيز والعاطفة والمكافأة بالأضافة لأماكن الإدراك الأجتماعي والتواصل بشكل عام عن مثيلتها من المجموعات الأخري (ELG,SG) حيث أن هناك 12 منطقة في الدماغ تثار عند الوقوع في الحب وتستمر الإثارة بشكل طردي مع المُدة الزمنية في العلاقة فكلما استمرت الحالة أكثر كلما زاد نشاط تلك البُقع في الدماغ.

الصور الأتية توضح النتائج الظاهرية للتجربة علي جهاز الرنين المغناطيسي الوظيفي وترسم صورة للإستنتاج السابق، وللمزيد من التفاصيل عن التجربة يُرجي مراجعة المصادر أسفل المقال.

خلاصة الأمر:

أدمغتنا هي مُحركنا الأساسي سواء بشكل فردي أو جماعي لتكوين منظومات أجتماعية (أصدقاء، أحباء، أزواج.. إلخ) وبالتالي إكتشافنا لآلية عملها المادية توفر لنا تفسير واقعي للكثير من المعاني غير الملموسة في حياتنا المعاصرة وتجعلنا على دراية أكثر بآلية التعامل مع تلك المشاعر ومن الممكن تطوّر الأمر ليشمل اختراع أنظمة للتحكم في تلك المشاعر بشكل مادي بحت من حيث تشغيلها أو تعطيلها أو حتي نقلها لكيان أخر!

المصدر
12
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق