مقالات عامة متنوّعة

نظرية الحب في علم الأعصاب – (1) ماهية المشاعر ومصدرها

الشعور بالحب، دائمًا تلك المقولة عنوان لأي إنجذاب شخصي أو تفضيل أو محاباة للأخر عامة وغالبًا ما يكون الرد علي سؤال (لماذا تتقرب من إنسان ما دون غيره؟) هو لأني أشعر تجاهه بالحب، يستوقفنا هنا كلمة مهمة، قررنا أستهلال موضوعنا بها وهي “الشعور”.

في بداية الأمر حاولت العلوم الأنسانية مثل (علم النفس) معرفة ماهية الشعور طبقًا لقياساتها النظرية وتم حصرها في التعريف المجمع الأتي:

تعريف الشعور: يعرف علماء النفس الشعور على أنه الحدس النفسي الذي نطّلع به على حالاتنا الداخلية أو بكونه معرفة النفس بأفعالها وانفعالاتها.

فالشعور إذن معرفة مباشرة أو حدس ذاتي يتكشف به الإنسان ما يجري في نفسه من عمليات عقلية كالأفكار والذكريات والعواطف ويدرك على إثره ألوانا وأشكالا وموجودات ذهنية.

تظل العلوم الأنسانية غير قادرة علي إتيان دليل مادي على ماهية المشاعر وأين توجد مواطنها المادية وهنا يبدأ علم الأعصاب في التعامل إنطلاقاً من تجريده للأفكار المثالية وإنتهاءاً بدلائل مادية علي ماهية المشاعر الحقيقة وأماكن إنبعاثها وتنظيمها بشكل قائم علي المشاهدة والتجربة والأستنتاج.

الجهاز الحوفي – The limbic system 

أصل كلمة Limbic هي كلمة Limbus وهي الدائرة حيث يتشكل الجهاز الحوفي علي شكل شبه دائري مابين النصفين الكرويين (المركز بينهما) ويطلق عليه الجهاز العاطفي Emotional system ويعتبر من أجزاء المخ البدائية التي تطورت مع تطور الكائنات الحية لتصل لصورة معقدة سواء في التركيب أو الوظائف كي تستوعب كم الأنفعالات المعقدة التي تتولد داخل الكائنات الحية المتطورة مثل الأنسان.

تقوم وظيفة الجهاز الحوفي في الأساس في ولادة وتنظيم الأنفعالات الأنسانية والسيطرة علي السلوك وقتها ويتحكم بشكل مجرد في الإنفعالات – المشاعر- الدوافع – السلوك – العدوانية- الذاكرة – التعلَُم.

الشهوة والغضب والرؤية الأدبية للعلاقات والتراجع خوفاً والإحباط والحسد والغيرة هي مشاعر إنسانية معقدة حاول الأنسان بقدر معرفته الضئيلة فهمها وبيان مصدرها من خلال علومه الأنسانية بشكل بدائي واضعًا تفسيرات نظرية لمفهوم وموطن الأنفعالات ولكن هذا قبل تطور علوم التشريح والأعصاب والطب النفسي وطرق الكشف بنظم الرنين المغناطيسي الوظيفية (FMRI) لتعطي لنا تفسير مادي عن وجود تلك الأنفعالات وطرق تنظيمها بشكل عصابي كيميائي بحت تحت تأثير دورة الدوبامين في المخ.

الدوبامين : هو احد المواد الكيميائية (نواقل عصبية) تتفاعل مع الدماغ ليكون لها دوراً في كل الأحاسيس والسلوكيات بشكل مادي مباشر فهو مسئول عن مشاعر السعادة والمتعة والأدمان (التعلق والأعتياد والأعتمادية).

تقوم دورة الدوبامين علي فكرة المكافأة حيث أن تأثيره الأيجابي علي الكائن حي هي وسيلة دافعة لأستمرارية الأنفعالات والسلوكيات الناتج عنها بهدف زيادة إنتاجه ومنها ما يوفر له الأمان والتواجد في الحياة وبالتالي هي احد طرق الدماغ الداخلية في تحفيز الأستمرارية والرغبة في البقاء (الغريزية) في الكائن الحي.

يعمل الدوبامين علي خمس مستقبلات عصبية في المخ وكما تقوم الشبكات العصبية بإنتاجه ايضًا في دورة مغلقة ما بين الفعل والأستجابة، يُنشئ ويُحفز كثير من الأنفعالات والمشاعر والسلوكيات التي تعبر عن الطبيعة الأجتماعية للكائنات الحية سواء التعلق والأرتباط والقلق والخوف الفردي أو الجماعي محفزًا مراكز الجهاز الحوفي المنظمة لتلك الأنشطة عامةً.

وبفهم ألية عمل الدوبامين نستطيع استيعاب الفلسفة العلمية للأدمان حيث أنه يحفز إنتاج تلك المادة بشكل قوي، أيا كان نوع الأدمان وقتها سواء بشكل كيميائي أو بصورة تبعية لسلوك ما (كالتواصل الحميمي مابين الثدييات ومنهم الإنسان)، ويؤدي خلل (انخفاض) نسب الدوبامين لكثير من الأمراض النفسية والعصبية.

يرسم الجهاز الحوفي خريطة كاملة لمحبباتنا ومنفرتنا وميولنا وتفضيلاتنا الجنسية بشكل عام كما يتحكم في تكوين صورة الشريك الأمثل ويلعب علي إستجابتنا – بشكل بدائي – عند الأجتماع به راسمًا بتأثير الدوبامين والأدرينالين كل الظواهر الجسدية التي تنشأ عند الأعجاب و الوقوع في الحب (ارتفاع درجة الحرارة، زيادة ضربات القلب، الأحساس بالسعادة .. إلخ) مكونًا نظاماً معقداً لغريزة بدائية وبسيطة ألا وهي البقاء والتناسل.

يرتبط الجهاز الحوفي بشبكات عصبية مع الجزء الأيمن من المخ لوضع صبغة عقلانية للأنفعالات البدائية الناتجة عن سلوكيات لتكوين أنشطة غريزية مرتبطة بالعقلانية الأنسانية – محددة الطريقة والأهداف – بما لا يؤدي الي ضرر الكائن الحي من تلك الأنفعالات والسلوكيات الناتجة عنه ولكن في بعض الأحيان يمكن أن تسيطر تلك الأنفعالات علي العقلانية بشكل جارف في بعض الأنشطة المرتبطة بالتواصل ما بين الثدييات مثل الحب بأشكاله وهذا ما سوف يتم توضحيه لاحقاً في باقي حلقات تلك السلسلة.

Lewis T, Lannon R, Fari A (2000) A General Theory of Love. New York, NY, USA

المصدر
12
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق