الطب النفسي الجنسي
أحدث المقالات

الشبق – فرط الرغبة الجنسية

شرعت قبل كتابة المقالة في مراجعة المحتوى العربي الذي يتحدث عن “الهايبرسيكشوالتي” والتي تعني (فرط الرغبة الجنسية) وللأسف وجدته ملئ بالمُغالطات واللبس الناتج عن ضعف القدرة على الإلمام بالموضوع بشكل دقيق إجمالًا – كما هي العادة مع المحتوى العلمي الجنسي المكتوب بالعربية – ولذلك ننوه مُقدمًا بأن هذه المُحتوى سيكون طويلًا لمحاولة تحويل المعرفة العلمية من لغتها الأم (الأساسية) للغة العربية دون الحاجة لإدخال مصطلحات غير دقيقة وغير علمية.

ربما سمعت سابقًا عن “الشبق” والمعروف بين مُعظم الناس بكلمة نيمفومانيا Nymphomania نظرًا لوجود فيلم شهير بنفس الأسم يتكون من جزئين، وقد تناول القصة من ناحية درامية أكثر من كونها وثائقية أو علمية وهذا لا يُعيبه، وظهرت في الفيلم حالة فرط الرغبة الجنسية لدى انثى (بطلة الفيلم).. ويجدر الإشارة إلى ان مصطلح “نيمفومانيا” ظهر لأول مرة في بدايات القرن الثامن عشر ولكنه لم يكن له استخدام طبي حتى بدايات القرن التاسع عشر.

مصطلحات وتعريفات

الحالة التي نتحدث عنها في هذه المقالة تُعرف علميًا بأسم “Hypersexuality” وتعني فرط الرغبة الجنسية (الرغبة الشديدة والمستمرة في ممارسة الجنس)، وتُعرف اعلاميًا وادبيًا بمصطلح “نيمفومانيا nymphomania” وقد تم استخدامه لفترات طويلة بين دوائر المتخصصين قديمًا مع العلم بأن مصطلح نيمفومانيا يشير بشكل خاص لفرط الرغبة الجنسية لدى الإناث نظرًا لكون تلك الحالة شائعة أكثر بينهم مقارنة بالذكور ومع ذلك فإن هناك مصطلح آخر وهو “ساتيرياسِس satyriasis” ويُشير لفرط الرغبة الجنسية عند الذكور وقد تناول سينمائيًا في فيلم Shame.. ولكنه أيضًا من ناحية درامية.

  • مصطلح نيمفومانيا هو المصطلح الأكثر انتشارًا لكون حالة الهايبرسيكشوالتي الاضطرابية أو الأدمانية – سنتحدث عنها بعد قليل – تحدث لدى النساء أكثر من الذكور نظرًا لأختلاف طبيعة دائرة الإستجابة الجنسية بينهما في المرحلتين الثالثة والرابعة، وهو ما يُعطي للإناث القدرة على الوصول للأورجازم بشكل متكرر ومتعدد بينما يفقد الذكر الإنتصاب بعد وصوله لأورجازم وحيد.

الهايبرسيكشوالتي بشكل عام هو فرط الرغبة الجنسية؛ أي أن الشخص يرغب في ممارسة الجنس بشكل متكرر ومستمر وهو ما يحدث لمعظم البشر احيانًا ولذلك “الهايبرسيكشوالتي” كحالة عامة ليست في ذاتها مشكلة تستوجب التدخل الطبي أو وصف الذات بالمرض ولكنها تُصبح مشكلة حينما تتحول تلك الرغبة الجنسية المُفرطة إلى سلوك قهري (ادمان) أو نشاط يؤثر على حياة الإنسان (اضطراب).

متى يصبح الهايبرسيكشوالتي مُشكلة تستوجب التعامل الطبي معها؟

إجابة هذا السؤال تُشتق من تأثيرها على الشخص، فحينما يُصبح النشاط الجنسي مُفرط ومؤثر بشكل سلبي على حياة الأنسان حيئًذ فقط يتم التعامل مع الهايبرسيكشوالتي بأعتبارها حالة غير صحية وفي هذا الوقت يتم إما توصيفها كإضطراب يُعرف علميًا بأسم (Hypersexual Disorder) أي (اضطراب فرط الرغبة الجنسية) وهذا طبقًا للإصدار الخامس من الدليل التشخيصي والإحصائي للإضطرابات النفسية والذهنية DSM-5 ويعتبر ذلك الأفراط كسلوك أدماني ويُعرف بأسم (Sex addiction) طبقًا لتصنيف الأضطرابات النفسية والسلوكية المُراجعة العاشرة – التصنيف الدولي للأمراض ICD-10.

أولًا: الهايبرسيكشوالتي كاضطراب (اضطراب فرط الرغبة الجنسية)

(اضطراب فرط الرغبة الجنسية – Hypersexual Disorder): هي رغبة طارئة ومُلحّة تدفع الفرد للأنخراط في النشاط الجنسي بشكل غير قابل للسيطرة.

ثانيًا: الهايبرسيكشوالتي كأدمان (ادمان الجنس)

(ادمان الجنس – Sex addiction) هو سلوك قهري – غير قابل للسيطرة – يدفع الشخص لتخيل الأنشطة الجنسية والأنشغال بها بشكل مُخل بحياته الطبيعية، وينتج عن حالة (ادمان الجنس) نوعين من المشاكل هُما: (الأستمناء القهري – Compulsive Masturbation) و (النشاط الجنسي القهري – Compulsive sexual behavior).

هناك خلاف على صحة استخدام مُصطلح ادمان الجنس نظرًا لأختلاف طبيعة الإدمان (المخدرات) عن (الجنس) وهذا الأختلاف في التأثير المُخي على الشخص نفسه طبقًا لدراسة في علم الأعصاب للمقارنة بين الادمانين ادى لإستبدال مصطلح ادمان الجنس لمصطلح آخر ادق هو (Excessive sexual drive) ويعني “فرط الرغبة الجنسية”

ملاحظة هامة: لم يُدرج (اضطراب فرط الرغبة الجنسية) في الدليل التشخيصي والإحصائي للإضطرابات النفسية والذهنية DSM بصفته اضطراب مُنفصل بل لكونه حالة (غير صحية) تؤثر على حياة الشخص وتترافق مع عدد من الأضطرابات والتي هي المشكلة الأساسية (الأضطرابات النفسية والذهنية الأخرى) ولذلك لم يُعيّن له معايير تشخيصية سوى اشتراطات عامة هم: استمرارية هذا الأضطراب لفترة تزيد عن 6 شهور مع وجوب أن تكون الحالة أكبر من 18 سنة.. وتعتبر تلك هي المعايير الطبية لتشخيص الحالة كاضطراب فرط الرغبة الجنسية.

ولهذا ينبغي العودة للتصنيف الدولى للأمراض (تصنيف الأمراض النفسية والسلوكية) في مُراجعته العاشرة للحصول على رؤيتهم الطبية للحالة ومظاهرها الأساسية ومعرفة المشاكل الناتجة عنها كسلوك قهرى وطبقًا للأعراض العامة لحالة “ادمان الجنس” أو للدقة “افراط الرغبة الجنسية” فأنه يُشترط لتشخيص شخص ما بكونه “مُدمن جنس” وجود رغبة جنسية قوية مُتحكمة في الشخص تجعله يفقد السيطرة على تسيير حياته العملية والمهنية بشكل طبيعي واعتيادي بسبب كونه عالقًا في احتياج جنسي قهري ومستمر.

المشاكل الناتجة عن الهايبرسيكشوالتي (اضطراب/ادمان) الجنس

أولًا: (الأستمناء القهري – Compulsive Masturbation)

الماستربيشن هو نشاط جنسي يتمثل في عملية مُداعبة الذات بهدف إشباع الرغبة الجنسية وذلك بالوصول للنشوة ويُعد نشاط جنسي فردي، ولكن يصبح هذا السلوك (غير صحى) وقهري – إكراهي – حينما يتحول من كونه نشاط جنسي طبيعي يهدف لإمتاع الذات إلى كونه نشاط جنسي احادي ومتكرر ويجعل الشخص لتجنب الدخول في علاقات جنسية فعلية ويلجأ لتفريغ الرغبة الجنسية كلما تعرّض لإثارة جنسية أو انتصاب غير إرادي، وتعتبر تلك مُشكلة طبية حينما يواجه الشخص صعوبة في الإقدام على ممارسة الجنس مع لجوءه للماستربيشن بشكل متكرر ومستمر.. وهناك حالات تُعاني من افراط الماستربيشن بسبب تلك المشكلة والتي لها آثار سيئة على صحته وحياته بشكل عام.

  • سنتحدث قريبًا عن “الأستمناء القهري” بشكل مُفصل وكيفية التعامل معه.

ثانيًا: (النشاط الجنسي القهري – Compulsive sexual behavior)

يجدر الإشارة إلى أن تعريف “ادمان الجنس – Sex addiction” مُتطابق مع تعريف “النشاط الجنسي القهري” فالمُصطلح العام هو “ادمان الجنس” ويعني هذا الإنشغال الجنسي المُفرط بالأنشطة الجنسية بما يؤثر على صحته النفسية (الضيق واحترام الذات و الثقة بالنفس .. إلخ) وحياته الإجتماعية والمهنية وعمله.

اعراض النشاط الجنسي القهري:-

  • انغماس في الخيالات الجنسية بشكل مستمر خلال فترات اليوم مما يُفقدك سيطرتك على وقتك.
  • يدفعك انغماسك إلى إشباع رغبتك بأنشطة جنسية ولكنك تشعر بعد ذلك بمشاعر الذنب والندم.
  • تحاول مرارًا وتكرارًا السيطرة على خيالاتك وتصوراتك وانشطتك الجنسية ولكنك تفشل في ذلك.
  • خيالاتك وانشطتك الجنسية تعتبر وسيلة للتعامل مع الإكتئاب أو الوحدة أو القلق أو الضغوط.
  • تنخرط في انشطة جنسية مُتهورة قد تسبب ضرر على المستوى الصحى أو المهني أو الاجتماعي..إلخ.
  • تواجه مشكلة في الحفاظ على علاقة مستقرة في حياتك مع رغبتك في ذلك.

في حالة مُلاحظة تلك الأعراض (أكثر من أثنين على الأقل) واستمرت لفترة – على الأقل 6 شهور – وسنك أكبر من 18 سنة ولديك الإمكانية لممارسة الجنس فإنك تُعاني بالفعل من حالة (النشاط الجنسي القهرى – Compulsive sexual behavior).

  • لا يُشخص الأفراد الذين يُعانون من “الحرمان الجنسي” والذين لم يمارسوا الجنس بعد بـ(الهايبرسيكشوالتي) فهذا الشخص من الطبيعي أن يكون راغبًا في الجنس بشكل مستمر لأنه بلغ ويمتلك رغبة جنسية ولايستطيع تلبية تلك الرغبة في اطار علاقة جنسية مع شريك يُبادله نفس المشاعر والرغبة، ولا يُعتبر الشخص يُعاني من الاستمناء القهرى إلا إذا ترافق مع تكرارية وافراط الأستمناء امكانية ممارسة الجنس مع الإمتناع بشكل متكرر بدون سبب موضوعي.. وشعوره بالضيق من ذلك دوافع هذا الإمتناع.

الأسباب

بالرغم من أن اسباب (فرط الرغبة الجنسية) أو (السلوك الجنسي القهرى) ليست واضحة بشكل مباشر نظرًا لأنها تترافق مع اضطرابات اخرى طبقًا لسجلات الجمعية الأمريكية للطب النفسي وأيضًا تحدث كأثر جانبي علاجي لبعض الأدوية (خصوصًا تلك الأدوية التي تعالج المشاكل النفسية والعصبية) إلا انه يمكن استيضاح اسباب عامة لها هم كالتالي:-

  • اختلال توازن كيمياء المُخ
    التغيرات في نسب بعض المواد الكيميائية في الدماغ (الناقلات العصبية) مثل: السيروتونين والدوبامين والنوربينفرين تساعد على تنظيم حالتك المزاجية، والمستويات غير المتوازنة من تلك المواد قد تكون المُحرك للسلوك الجنسي القهري، الإكتئاب مثًلا ضمن تلك الأضطرابات التي تؤثر على كيمياء المخ ولكن لا يُشترط أن يترافق مع الإكتئاب حالة فرط الرغبة الجنسية بل إن الأكثر شيوعًا هو فقدان الرغبة الجنسية.
  • التغيرات في مسارات المخ
    الربط بين الشعور بالإرتياح والجنس فقط وبشكل متكرر فيعتبره المخ مهرب، هذا نوع من تدريب المخ على الإعتماد على الهروب من المشاكل أو الضغوط أو مشاعر القلق أو الخوف ..إلخ، بالسلوك الجنسي للحصول على جرعات الدوبامين والأندروفين وغيرها من المواد التي تنتج بالوصول للأورجازم وتحسن الحالة المزاجية.. وبمرور الوقت قد يتحول الإعتماد على الجنس إلى احتياج قهري.
  • الظروف الصحية والعلل التي تؤثر على وظائف المخ
    الصرع والخرف قد يكونا سبب مباشر للسلوك الجنسي القهري فهما يؤثران على اداء المخ لوظائفه الطبيعية كنتيجة لتضرر بعض المناطق المسئولة عن هذه الوظائف وقد يحدث تضرر للمناطق المسئولة عن السلوك الجنسي، بالإضافة إلى الأدوية المُستخدمة لعلاج مرض باركنسون (الشلل الإرتعاشي).

العلاج..

ينقسم العلاج لثلاثة انواع وعادةً يحتاج الشخص لتداخلهم للحصول على فاعلية أكثر..

العلاج النفسي

يساعد العلاج النفسي في محاولة إدارة السلوك الجنسي القهري والسيطرة عليه وتوجيهه ونزع الإحساس بالإكراه تجاهه كخطوة أولى للتخلص منه مُجملًا ولكن ذلك لن يحدث إلا بوضعه تحت السيطرة والتي هي المرحلة الأولى التي يسعى إليها الطبيب أو المُعالج النفسي.. وتنقسم انواع العلاج النفسي للآتي:-

  • العلاج المعرفي السلوكي
    يهدف لمساعدتك في فهم وتحديد المُعتقدات والسلوكيات غير الصحية والتي تؤثر على حالتك النفسية وحياتك.
  • العلاج بالقبول والإلتزام
    يهدف لتعيين قيم وافكار مهمة وبناءة للشخص وقبولها ومساعدته في الألتزام بها.
  • العلاج النفسي الديناميكي
    يهدف لزيادة وعي الشخص بحياته وإزالة سيطرة اللاوعي السلبي والسلوكيات الضارة وتحديد دوافعه الشخصية ووسائل حل الصراعات والتعامل مع الضغوط والمشاكل.

العلاج الدوائي

تساعد تلك الأدوية في السيطرة على الحالة المزاجية للشخص والحد من التغيرات المُفاجئة وغير المُتزنة لكيمياء المُخ مما يجعلها وسيلة علاجية فعّالة في بعض الحالات وهي:-

  • مضادات الإكتئاب: قد تساعد أنواع معينة من مضادات الاكتئاب التي تُستخدم لعلاج الاكتئاب أو القلق أو اضطراب الوسواس القهري لإدارة السلوك الجنسي القهري.
  • النالتريكسون: يستخدم في حالات ادمان الافيون والكحوليات كعلاج للأدمان السلوكي الناتج عن أستخدام تلك المواد بشكل تكراري مما يجعله وسيلة فعّالة في الأدمان للسلوك الجنسي القهري.
  • مثبتات المزاج: تساعد تلك الأدوية على تقليل ارتفاع الرغبة الجنسية بشكل مُفرط والسلوك الجنسي القهري، وتستخدم كعلاج في الأساس للسيطرة على اضطراب ثنائي القطب.
  • مضاد الاندروجين: وتستخدم كوسيلة دوائية للسيطرة ارتفاع الرغبة الجنسية المُحفز هرمونيًا عند الذكور خصوصًا الأشخاص الذين يكون سلوكهم الجنسي القهري مصدر خطر على الغير، ولهذا تُفرض أحيانًا على البيدوفيليين (الأشخاص الذين ينجذبون للأطفال) كبديل للعزل الجبري بهدف التخلص من الدافع الجنسي وعدم التسبب في اعتداء جنسي على الأطفال.

مجموعات المُساعدة الذاتية

هي عبارة عن تجمع لأشخاص يُعانون من نفس المشكلة بهدف مساعدة بعضهم البعض عن طريق المواجهة للتخلص من مشاعر الخجل ولوم الذات والسعى التكاتفي لفهم حقيقة الأضطراب والبدء في ادراك مدى تأثيره على حياة الغير وكيفية مواجهته والتعامل معه والسيطرة عليه.

الخلاصة

العلاج النفسي والمعروف بأسم (العلاج بالتحدث) هو العنصر الأساسي في الطب النفسي ولذلك هو الوسيلة العلاجية التي ستجدها في كافة المشاكل والأضطرابات النفسية بينما الأدوية هي الوسيلة الأكثر فاعلية في الحالات التي تكون ناشئة عن اختلال توازن كيمياء المُخ، وبمُجرد ضبط حالة اللاإتزان (الاضطراب) وتوجيه العلاج النفسي للتعامل مع سبب هذا الأختلال فأنه يجعل الشخص يشعر بشعور احسن ويتخطي تلك المشكلة بالتدريج.

واخيرًا يأتي دور مجموعات المُساعدة الذاتية في التعرف على تأثير اضطرابك على حياتك بسماع قصص حقيقية عن تأثيرها على حياة الآخرين والحصول على الدعم والمساندة والتخلص من احساس الوحدة بما تحمله من مشاعر المعاناه الفردية.

وكالعادة؛ سكسولوجي تتمنى لكم حياه سعيدة 😀

المراجع..
Diagnostic and Statistical Manual of Mental Disorders (DSM–5)
International Classification of Diseases, Tenth Revision ICD-10

المصدر
12345

Privacy Preference Center

    Necessary

    Advertising

    Analytics

    Other

    إغلاق
    إغلاق

    أنت تستخدم إضافة Adblock

    برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock