الطب النفسي الجنسي

الكبت الجنسي – ملف كامل

مُقدمة لابُد منها

لاحظنا وجود خلط ناتج عن جهل بالمعنى الأصطلاحي لكلمة “الكبت الجنسي” مما ادّي لحدوث تخبّط معرفي في مُصطلحات اخرى مثل “الإحباط الجنسي” و “الحرمان الجنسي” بإطلاق نفس التسمية عليهم جميعًا مُتجاهلين الأختلافات الإصطلاحية بين “الكبت” و “الحرمان” و “الإحباط” والمؤسف أن هذا الخطأ يقع فيه المُتخصصين النفسيين مُخالفين لمصادر الطب النفسي التي تُفرق بين “الكبت الجنسي – Sexual Repression” و “الإحباط الجنسي – Sexual frustration” و “الحرمان الجنسي – Sexual Deprivation”.

وبالعودة للمُعجم نجد أن هناك اختلاف شاسع بين مُرادفات المُصطلحات التالية؛ الكبت والإحباط والحرمان.

  • الكبت مُرادفه القمع.
  • الإحباط مُرادفه الإعاقة.
  • الحرمان مُرادفه المنع.

وهذا الأختلاف الموجود بين المُصطلحات دليل علي وجود أختلاف أيضًا في طبيعة المشاكل التي يُعاني منها الشخص على الجانبين النفسي والجنسي وبسبب التخبط وعدم الإلمام بالفروق بين تلك المُصطلحات أدت إلى قصور وفشل كافة طرق التعامل مع المشاكل المُرتبطة بالجنس داخل المُجتمع مُتسببًا في تطوّرها واستمرارها وانتشارها.

وسنقوم بإتاحة “ملفات تفصيلية” عن المشاكل الثلاثة (الكبت الجنسي، الإحباط الجنسي، الحرمان الجنسي) وسنوضّح فيها التعريف العلمي الدقيق للمشكلة ومظاهرها الفردية والإجتماعية واسبابها وآثارها علي الفرد والمُجتمع، وكيفية التعامل معها.

«الكبت الجنسي»

الكبت الجنسي (القمع الجنسي): هي حالة يعاني فيها الشخص من التعبير عن جنسانيته (الرغبة والميول والتوجهات والتفضيلات) نتيجة لسيطرة مشاعر “الذنب والعار” عليه مما يمنعه من محاولة الإنخراط في بعض الأنشطة الجنسية كما تؤثر علي إدراكه للجنس بشكل عام.

مظاهر الكبت الجنسي:-

هي علامات تظهر علي الفرد ويوصم بها المُجتمع نتيجة لتأثيره السلبي علي حياه الأفراد المكوّنين له.

مظاهر (الكبت الجنسي) على الفرد:

متى تعرف انك تُعاني من الكبت الجنسي؟

  • أن يكون الشخص (خائف/رافض/مُنكر) لمشاعره الجنسية.
  • العصبية والعنف الظاهرة عند الإنخراط بـ(الرؤية/الحديث/الممارسة) لتجارب جنسية.
  • ازدراء ووصم العلاقات الرضائية بالرغم من تساهله مع الجرائم (الإنتهاكات الجنسية).
  • التباهي بقدرته على قمع رغبته الجنسية في العلاقات الرضائية (القائمة علي الإتفاق).
  • التحريض ضد (ميول أو توجه أو ممارسة) بدون مبرر حقيقي حيث أنه لا يكون مُجبرًا علىها.

مظاهر (الكبت الجنسي) على المُجتمع:

متى تعرف أنك تعيش في مُجتمع يُمارس الكبت الجنسي على أفراده؟

  • وصم العلاقات الرضائية عبر مخزون الثقافة المُجتمعية والإعلام والتشريعات القانونية.
  • التضييق علي التواصل الحُر الرضائي بين الجنسين سواء بالعزل أو الملاحقة أو التحرش أو التنمر.
  • اصطباغ المُجتمع بقناعات مُتحفظة جعلته يحتقر انشطة بعينها وجعله حكرًا علي نمط علاقات أوحد (الزواج).

التعليق: وحدة بناء المُجتمع هي الأفراد، وإن كان هؤلاء الأفراد يعانون من “الكبت الجنسي” فبالطبع ستمتد هذه المُشكلة لتشمل المُجتمع ككل، وقد حافظ المُجتمع علي استمرارية قناعاته – المُضطربة تجاه الجنس – كنتيجة للكبت فقد أنشأ منظومة تلعب الدور السُلطوي في إعاقة حياه الأفراد النفسية والجنسية تلك المنظومة تتمثل في اشخاص (الأب، الأم، المُدرس..إلخ) أو نظم (أعراف وقوانين) أو مؤسسات (قوات تنفيذ القانون، الإعلام.. إلخ).

اسباب الكبت الجنسي:-

اسباب الكبت الجنسي العامة:-

  • الأعراف والشرائع الدينية
    الأعراف هي ما تعارف عليه الناس لفترات طويلة حتي شعروا بأنه مُلزم لهم وأنه لا يجوز مُخالفته وأن مخالفته يستتبع العقاب، أما الشرائع الدينية فهي مجموعة قيم وقواعد اخلاقية تنبثق من الأديان.
  • القانون
    هو مجموعة من القواعد والأسس العامة التي تعمل علي تنظيم المُجتمع وتشريع الحقوق والواجبات للأفراد.

تلك هي الأسباب العامة التي تلعب الدور في ترسيخ اسس مشاعر الذنب والعار في المُجتمع بشكل عام.

اسباب الكبت الجنسي المُباشرة:-

1) التأثير التربوي

الأسرة هي السُلطة الأولى في حياه الأنسان حيث يلعب الأب والأم أو ماينوب عنهم الدور الأساسي في تشكيل شخصية الفرد وما تشتمل عليه من اباحات ونواهي في اولى مراحل تشكّل وعيه، وبالتالي نتيجة التأثر من المُجتمع؛ تؤثِر الأسرة بشكل تربوى سلطوي في بث وتعميق بذور “الكبت الجنسي” في نفسية الفرد عن طريق تلك الوسائل.

  • تنفير وتخويف الفرد من التواصل مع الجنس الآخر بأعتباره سلوك مُشين واحيانًا يتطور الأمر في بعض الأسر لعقاب الفرد علي امتلاكه وسيلة تواصل مع الجنس الآخر.
  • عزل الفرد عن الوصول للجنس الآخر بشكل سُلطوي عبر وضعه في مدارس احادية الجنس (بنات فقط/ بنين فقط) ومنعه من النشأة وسط مُجتمع متنوع الجنس بشكل عام.
  • حظر ظهور مواد كتابية أو صوتية أو مرئية امام الفرد بشكل مباشر مثل روايات رومانسية أو تقارب حميمي أو علاقة عاطفية أو تلامس جسدي مُباح مشاهدته للأقل من 18 سنة.
  • تلقين الفرد بشكل سُلطوي لقناعات وأفكار ومشاعر يُستند عليها كمبرر لقمع رغبته تجاه ممارسة الجنس مثل: حكر الجنس علي نوع واحد من العلاقات واحتقار انشطة جنسية معينة.

التعليق: حينما تُنفر وتُخيف وتعزل وتحظر وتلقّن الأسرة فأنها بذلك تنشأ فردًا مصابًا بالكبت.

2) التأثير البيئي

تلعب البيئة الدور في تكوين المُناخ المناسب لتفشي “الكبت الجنسي” وبالرغم من انه موجود في كافة المُجتمعات إلا انه في مُجتمعات معينة يتحوّل من كونه مُشكلة نفسية تخص الفرد إلى ظاهرة نفسية اجتماعية يُعاني منها المُجتمع ككل.

هُناك بعض المُجتمعات تُشكّل بيئة مشوّهة بإستخدام منظومة قواعد واعراف وقوانين تفرضها بمؤسساتها التنفيذية وترسخها بالتماثل الإجتماعي (شيوع سلوك معين) مما يدفع الأفراد لكبت رغباتهم الشخصية خوفًا من الوصم والعقاب وتطوّرهم ليكونوا ادوات لكبت الآخرين في المُجتمع.

3) التأثير الإعلامي

لعب الإعلام دور رجعي في تصوير الجنس كنشاط سئ السُمعة ومحظور عن طريق تقديم شخصيات غير مؤهلة للحديث عن الجنس تراه تفريغ لرغبة مُتدنية قذرة ينبغي علي الإنسان التخلص منها في سُبل مُعينة لا غير وإبراز تصورات مُشوّهة عن العلاقات الجنسية والتواصل بين الجنسين، وقد شمل ايضًا وصم أطراف تلك العلاقات وتقديم صورة ذهنية غير موضوعية عنها ليس لسبب سوى توجيه المتابعين لرؤية معينة تجاه الجنس دافعة لإستمرارية مناخ الكبت الجنسي.

آثار الكبت الجنسي:-

تم تصنيف الكبت الجنسي كمشكلة نفسية انطلاقًا من آثاره علي سلوك الفرد وعلي نشاطات المُجتمع.

آثار الكبت الجنسي على الأفراد:

  • خلل في رؤيته للجنس الآخر يتبعه خلل في التعامل معه.
  • الإكتئاب نتيجة الصراع بين رغبته الإنسانية الطبيعية ومشاعر الذنب والعار الناتجة عن الكبت الجنسي.
  • إرتياب في وجود تواصل بين الجنسين بشكل عام ينعكس في صورة سلوك عنيف بهدف منع وجود أو استمرار هذا السلوك في محيطه.
  • التحريض بتشويه العلاقات الرضائية ومنع التواصل الحر بين الجنسين.
  • إزدراء انشطة وممارسات وميول وتوجهات بعينها واحتقار ممارسيها والتنظير لمنعها وعقاب فاعليها لإستنكاره امتلاكهم مميزات لا يستطيع الحصول عليها.

آثار الكبت الجنسي على المُجتمعات:

  • منع التواصل الحر بين الجنسين وتشويه العلاقات الرضائية.
  • إزدراء الأفراد والتحريض ضدهم نتيجة لممارساتهم الخاصة انشطة او ميول أو توجهات معينة والمُطالبة بعقابهم.
  • توجيه السُلطة للتعدي على حقوق وحريات الأفراد تحت مُسمى الحفاظ علي المُسلمات والقيم الأخلاقية.
  • تطرّف الأنحرافات الجنسية لتشمل مجموعة اضطرابات نفسية وذهنية تلقى رواجًا بين افراد هذا المُجتمع (الزوفيليا: الإنجذاب الجنسي للحيوانات، والبيدوفيليا: الإنجذاب الجنسي للأطفال).
  • شيوع الجرائم الجنسية كنوع من التنفيس عن الرغبة المكبوته كالتحرش والإجبار الجنسي.
  • انغلاق المُجتمع عند التعامل مع المُجتمعات الأخرى الأكثر تفتح في نظرتها للجنس، وتوجيه رسالة داخلية لأفراده بكون المُجتمع الآخر مُنحل ومنحرف.

كيفية التعامل مع مشكلة “الكبت الجنسي”

يجب الإقرار بأن “الكبت الجنسي” مشكلة تؤثر بشكل سلبي علي الفرد والمُجتمع ومن ثم ينبغي التعامل معها بشكل جاد لحلّها إعتمادًا على طرق فعّالة متمثلة في الخطاب التوعوي المُوجّه للأفراد بالإضافة إلى ملاحظات قانونية موجّهة للمُشرع.

1) التوعية

  • إزالة المفاهيم الخاطئة عن الجنس
    الجنس ليس نشاط قذر أو مُدنس لممارسيه بل هو سلوك جيد وإيجابي يُضيف لك مشاعر واحاسيس تحتاجها كإنسان ويُثقل اتزانك النفسي والذهني ويرفع ثقتك بنفسك واحترامك للغير.. عليك أن تُدرك ذلك جيدًا فهذه هي الحقيقة الكاملة التي أُخفيت عنك منذ ميلادك لتُحبس داخل تصوّر مُشوّه.هذه هي الرسالة الأساسية لإحلال وتجديد رؤية الشخص للجنس وإزالة الشعور بالذنب والعار والدونية عند الإنخراط فيه سواء كان ذلك ذهنيًا أو حتى فعليًا.. ويُنصح بمُتابعة مصادر معرفية تتحدث عن الجنس بشكل علمي غير مؤدلج.
  • ادراك مبدأ سُلطة الأنسان علي جسده
    انت مالك جسدك ومُسيّره، لا يحق لأي شخص آخر استخدامك او الحجر عليك طالما امتلكت الأهلية والإرادة، عليك إدراك تلك الحقيقة فكل انسان تسري سُلطته علي جسده فقط ولا يحق له إجبار الآخر أو منعه من ممارسة سلوك معين طالما كان هذا السلوك آمن والجنس في الأصل نشاط آمن وصحي.
  • ساعد غيرك في الإلمام بطبيعة المشكلة
    ساعد الآخرين في التخلص من مُشكلة الكبت الجنسي عبر اظهار تأثيره علي حياتهم الشخصية والجنسية وعلى دعوات وتوجهات المُجتمع ككل عبر نشر المعرفة العلمية عن “الكبت الجنسي”، وابدأ في خطوات الإنفصال عن التماثل الإجتماعي أو بالأدق “الإذعان” لتصبح رؤيتك فردية ومشاعرك خاصة ومُتحررة من تصورات وقيود جوفاء تحتقر الجنس كنشاط طبيعي وتحتكر حقك في الأستمتاع بجسدك وبالجنس كحق طبيعي.

2) القانون

دور القانون في الأساس هو تنظيم المُجتمع من خلال تشريع الحقوق والحريات لأفراده والحفاظ عليه في وضع أفضل، ولكن حينما تتسبب المنظومة القانونية في معاناة الأفراد وتضخم المشكلة لتصبح ظاهرة إجتماعية (مُجتمع مكبوت جنسيًا) فإن ذلك دليل علي تردّي تلك الشرائع وفسادها.

وينبغي على القانون أن ينضج ليواكب تطوّر منظومة الحقوق والحريات المدنية التي تُطبق على المُجتمعات المُتقدمة والتي تستند في الأساس على حقائق علمية حيث تُقر سُلطة الأفراد علي جسدهم وتقاوم المُصادرة على حقوق الأفراد في تقرير ما يسري في حياتهم الشخصية وتوفر الحماية للأفراد من التحريض علي سلوكياتهم وتوجهاتهم وتفضيلاتهم الخاصة.

هذا هو ما يخلق السِلم الإجتماعي والنظام العام المُتحضر.

اعداد وتحرير: د. أحمد منصور | أ. محمد الجلالي

مقالات ذات صلة

Privacy Preference Center

    Necessary

    Advertising

    Analytics

    Other

    إغلاق
    إغلاق

    أنت تستخدم إضافة Adblock

    برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock