مقالات عامة متنوّعة

دور الترسبات الاجتماعية في تشكيل الوعي الجنسي

الترسبات الاجتماعية هى واحده من أكبر العوائق والمشكلات الهامة التي تقف حائلاً بينها وبين التحرر الجنسي، خاصة في تلك المجتمعات التي تمتلك وعي بدائي ويُعرف عنها التأخر الفكري والحضاري.

العملية معقدة ولا تتفكك ويتم التخلص منها بين ليلة وضحاها، فالأمر مرتبط بعدة عوامل نفسية وجسدية وفكرية، تُشكل ضغوطًا قاسية على عقل الوعي الجمعي، فتٌقابل أي أفكار مختلفة عن ماهو سائد بالرفض الشديد والنفور والاستنكار حتى تكاد تصل الى العنف خاصة ان كان الامر يتحدث عن الجنس أو ما يُعرّفه العامة بـ(مسائل الشرف)، ولا يتحدد هذا فقط بمن تصادفهم تلك الأفكار في ظرف زماني أو مكاني مُعين ويقتلون محاور ذكرها في أي حديث بل يتعلق ايضًا بمن سمعها بإنصات وتملكته الرغبة في مُسايرتها والاقتناع بها حتى ما لبث قليلاً وعزف عنها مرة أخرى لشعوره بعدة عوامل نفسية طاردة لكل تلك الافكار كالاستحقار والنفور الداخلي او الشعور بالذنب.. وفي رأيي ان تلك النقاط التالية هي اهم ما يُفسر تلك المُعضلة.

سنوات داخل البوتقة

ينشأ الأغلبية العظمى من الشباب في مجتمعات العالم الثالث منذ نعومة اظافرهم حتى نضوجهم في بيئة مُحاطة بالأفكار البدائية الموروثة، أهمها مسألة الجنس والشرف التي يتعامل معها الأسرة المكونة للطفل بالغلظة والعين الحمراء تجاهه منذ الصِغر، وما يسري هو الاعداد الذهني المٌستمر للأطفال حول مدى قماءة وقذارة أفكار الجنس والطرف الاخر وحتمية الامتناع عن الحديث عنها نهائيًا طوال الوقت لأسباب متوارثة من الابوين ايضًا، فسرعان ما يخرج ذاك الطفل للعالم الخارجي ويلتفت من حوله ليجد ما اخبراه به ابويه موجودًا بين أصدقائه وعامة الناس، ليتأكد بعدها من صحة ما تربى عليه، ويظل حتى يبلغ سنوات طويلة داخل تلك البوتقة الاجتماعية، ليصبح كل ذلك راسخًا في عقله كحجر اساس لتتشكل بعدها العثرة القوية في طريق التحرر الجنسي التي تصل الى حد الاستحالة في التخلص من إرساباتها فيما بعد حتى مع وجود الغريزة الجنسية وتأثيرها القوي عليه والتي تجعل من سلوكه طبيعيًا دائم الميل للاحتكاك بالطرف الاخر بكل الطرق، فتظهر الازدواجية والتناقضات التي تجعل نفسية وعقلية هذا الشخص مشوهة.

الضغوط الاجتماعية والعادات والتقاليد

تلعب الضغوط الاجتماعية والعادات والتقاليد كصور تجسيدية للمفاهيم الأصولية المُحافظة عند العوام من الناس في مجتمعات العالم الثالث دوراً هاماً في تشكيل الوعي الجنسي والتأثير عليه، بل وتقف كحائط سد بين التحرر والتفتح والجهل والتخلف الفكري، ويتركز كل ذلك على الاناث بضغط هائل للغاية مقارنة بالتماهي والميوعة في تطبيقها على الذكور، وتتمثل تلك الصور في ثلاث اركان مرتبطين ببعضهم البعض كسلسلة تكميلية لا انفصالية وهم كالتالي:

  • الأهل

يلعب الاهل دورًا مصيريًا في كبت وتحجيم الفتاة مُنذ صغرها تجاه حياتها بشكلٍ عام وتحديد سلوكياتها وبشكلٍ خاص في كل ما يتعلق بمواضيع الجنس وصولاً لأعضائها التناسلية والتحكم الذهني التام بها، فتفرض السلطة الابوية على جسدها قيودًا واغلالاً وصكوك ملكية ليتُرجم كل ذلك لشخص مُشوه نفسيًا وكاره ظاهرياً لغريزته الطبيعية كالجنس الذي لا يختلف عن أي غريزة أخرى في جسد الانسان، فتمتد النظرة لفترات طويلة من عمرها حتى بعد الزواج تأخذ وقت كبير ايضاً لكي تنفك وتعتاد عليها.

  • الاصدقاء

الأصدقاء حلقة قوية في سلسلة الترسبات الاجتماعية تجاه الوعي الجنسي، الاغلبية العظمى في مجتمعاتنا العربي بعد ان كانت متحررة نوعًا ما في خلال اكثر من عقد في القرن الماضي اصبحت محافظة شديدة الان مغلفة اجسادهم ومسجونة في اشد الزنازين سواداُ، فيترعرع كل طفل جديد يأتي الي تلك المجتمعات في هذه البيئة لا يجد من يختلف عنه حوله فكيف ستتغير نظرته الجنسية تجاه نفسه او يتفكر بها وجميع من حوله لا يفعلون ذلك.

  • المجتمع

لا يحب الانسان ان يكون منبوذًا فلن يخرج الكثير للتحدث عن مسائل الجنس والخوض فيها ونشر علمها وثقافتها في كافة ارجاء المجتمع اذا كان هناك العديد من المشاكل النفسية للناس نحو مسالة الجنس ككل، فالأمر يبدو كشخص يعرفه الجميع ويخافون ان يتحدثوا عنه حتى لا يتعرضوا لمحاكم تفتيش الاخلاق والاتهام بالانحلال والانفلات ونشر الرزيلة، هذه هي ضغوط المجتمع التي يفرضها بشكل نفسي وفكري على الجميع ولا يجرؤ العديد من الخروج عن تلك القاعدة.

  • ازمة الدين والشعور بالذنب

الدين له دور مهم ومحوري في الوقوف بين التحرر الجنسي والمحافظة الاجتماعية وبمعنى ادق هو جوهر الأزمة ذاتها، الاديان بشكل عام خاصة السماوية تضع حدودًا ردعية حول ممارسة الجنس خارج اطار الزواج، وعلى الرغم من ان الرسالة تختلف من عصر لعصر لتحديد كل مسائل الحياة من قبل الدين بما فيها وعلى اولوية قائمتها مسالة الجنس، الا ان الصورة الاولية التي نزلت فيها تلك الرسائل ما زالت راسخة داخل اذهان الناس في كثير من المجتمعات، فتجد ما بين الشجب والطرد لتلك الافكار لحجة الدين، سلوكيات تعكس حقيقة ما يظهرونه وهو ما يُعرف بالازدواجية والتناقض الفكري كمثال التحرش الجنسي في مصر يحتل اعلى ثلاث مراتب في العالم وصُنفت منذ يومين القاهرة كأكثر الاماكن خطورة حول العالم على المرأة وذلك على الرغم من الاغلبية في مصر على شاكلة اختلاف اديانها مُحافظة دينيًا.

تتلخص جزئية الشعور بالذنب بعد الانخراط في ممارسة فعل من افعال التحرر الجنسي كتلبية الغريزة على سبيل المثال، يتملك صاحب الفعل احساس الشعور بالذنب الشديد ويحدث ماهو نفسي ومُعقد سيتضح ذلك في الفقرة التالية.

احتقار الذات

احتقار الذات في الغالب يأتي وينتج بعد ممارسة الفعل الرئيسي للتحرر الجنسي كممارسة الجنس أو حتى بعد ممارسة العادة السرية، فتارة يدخل العامل الديني والاجتماعي في تشكيل ذاك الشعور وتارة اخرى لجهل الاغلبية السائدة من الناس بعلم الجنس وتعاملهم مع جسدهم بدونية احتقاريه ونظرتهم الدائمة له ولأعضائهم التناسلية بانها مصدر الدنس، والذي يثير الدهشة بعيدًا عن من هم خارج منظومة الزواج ولم يبلغوها بعد هم المتزوجين يسري نفس التعامل مع الجنس بينهم كقضاء الحاجة وقتما يحتاجونها يقضونها من خلال دخولهم للمرحاض، وهذه السلوكيات تجعل من الامر مشكلة كارثية، فالجنس هو ارقى غريزة توجد في جسد الانسان والتعامل معها يجب ان يكون مثالي واعطاءه حقه في الاطلاع على مجتمل ثقافاته وفنونه لكي تتغير النظرة لهذا الجانب البديع والمميز من طبيعة الانسان البشرية.

اخيرًا

هذه التحليلات تعتبر محاولة لفهم وتفسير مشكلة الترسبات الاجتماعية ودورها في تشكيل الوعي الجنسي لكافة مجتمعاتنا العربية والدور الذي تلعبه تلك الترسبات الفكرية في الوصول لأبسط احتياجات الانسان كالجنس.

سكسولوجي تدعم الحرية الشخصية للأفراد في اتخاذ قراراتهم لتحقيق احتياجاتهم الجنسية.

وكالعادة نتمنى لكم حياة سعيدة 😀

إعداد وتحرير: ياسر الكومي

اظهر المزيد
إغلاق
إغلاق